فخر الدين الرازي
183
تفسير الرازي
واعلم أن كلام الأصم غير ملخص ، فإنه إن عني بقوله : المحكم ما يكون دلائله واضحة أن المحكم هو الذي يكون دلالة لفظه على معناه متعينة راجحة ، والمتشابه ما لا يكون كذلك ، وهو إما المجمل المتساوي ، أو المؤول المرجوح ، فهذا هو الذي ذكرناه أولاً ، وإن عني به أن المحكم هو الذي يعرف صحة معناه من غير دليل ، فيصير المحكم على قوله ما يعلم صحته بضرورة العقل ، والمتشابه ما يعلم صحته بدليل العقل ، وعلى هذا يصير جملة القرآن متشابهاً ، لأن قوله * ( فخلقنا النطفة علقة ) * أمر يحتاج في معرفة صحته إلى الدلائل العقلية ، وإن أهل الطبيعة يقولون : السبب في ذلك الطبائع والفصول ، أو تأثيرات الكواكب ، وتركيبات العناصر وامتزاجاتها ، فكما أن إثبات الحشر والنشر مفتقر إلى الدليل ، فكذلك إسناد هذه الحوادث إلى الله تعالى مفتقر إلى الدليل ، ولعلّ الأصم يقول : هذه الأشياء وإن كانت كلها مفتقرة إلى الدليل ، إلا أنها تنقسم إلى ما يكون الدليل فيه ظاهراً بحيث تكون مقدماته قليلة مرتبة مبينة يؤمن الغلط معها إلا نادراً ، ومنها ما يكون الدليل فيه خفياً كثير المقدمات غير مرتبة فالقسم الأول : هو المحكم والثاني : هو المتشابه . القول الرابع : أن كل ما أمكن تحصيل العلم به سواء كان ذلك بدليل جلي ، أو بدليل خفي ، فذاك هو المحكم ، وكل ما لا سبيل إلى معرفته فذاك هو المتشابه ، وذلك كالعلم بوقت قيام الساعة ، والعلم بمقادير الثواب والعقاب في حق المكلفين ، ونظيره قوله تعالى : * ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ) * ( الأعراف : 187 ) ( النازعات : 42 ) . المسألة الرابعة : في الفوائد التي لأجلها جعل بعض القرآن محكماً وبعضه متشابهاً . إعلم أن من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات ، وقال : إنكم تقولون إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة ، ثم إنا نراه بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب على مذهبه ، فالجبري يتمسك بآيات الجبر ، كقوله تعالى : * ( وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً ) * ( الأنعام : 103 ) والقدري يقول : بل هذا مذهب الكفار ، بدليل أنه تعالى حكى ذلك عن الكفار في معرض الذم لهم في قوله * ( وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ) * ( الأنعام : 25 ) وفي موضع آخر * ( وقالوا قلوبنا غلف ) * ( الإسراء : 46 ) وأيضاً مثبت الرؤية يتمسك بقوله * ( وجوه يومئذ ناضرة ، إلى ربها ناظرة ) * ( القيامة : 22 ، 23 ) والنافي يتمسك بقوله * ( لا تدركه الأبصار ) * ( الأنعام : 103 ) ومثبت الجهة يتمسك بقوله * ( يخافون ربهم من فوقهم ) * ( النحل : 50 ) وبقوله * ( الرحمان على العرش استوى ) * ( طه : 5 ) والنافي يتمسك بقوله * ( ليس كمثله شيء ) * ( الشورى : 11 ) ثم إن كل واحد يسمي الآيات الموافقة